عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
522
اللباب في علوم الكتاب
روى طاوس عن ابن عبّاس : « فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ » الذّنب العظيم « وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ على الذّنب الصّغير ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » « 1 » . قوله : « وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » قد بيّن بقوله تعالى : « لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » أنه كامل الملك والملكوت ، وبيّن بقوله : « إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » أنه كامل العلم والإحاطة ، ثم بيّن بقوله : « وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » أنه كامل القدرة ، مستول على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتّكوين والإعدام ، ومن كان موصوفا بهذه الصّفات ، يجب على كلّ عاقل أن يكون عبدا له منقادا خاضعا لأوامره ونواهيه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 285 ] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) في كيفية النّظم وجوه : الأول : لما بيّن في الآية المتقدّمة كمال الملك والعلم والقدرة له - تعالى - ، وأنّ ذلك يوجب كمال صفة الرّبوبيّة ، أتبع ذلك ببيان كون المؤمن في نهاية الانقياد والطّاعة والخضوع للّه - تعالى - ، وذلك هو كمال العبوديّة . الثاني : أنه - تعالى - لمّا قال : « إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » وبيّن أنه لا يخفى عليه من سرّنا وجهرنا شيء ألبتّة ، ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا ؛ فقال : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ » كأنّه بفضله يقول : عبدي ، أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك ، فلا أذكر منها إلّا ما يكون مدحا لك ، حتى تعلم أنّي الكامل في العلم والقدرة ، فأنا كامل في الجود والرّحمة ، وفي إظهار الحسنات ، وفي السّتر على السّيّئات . الثالث : أنه بدأ السّورة بمدح المتّقين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] بيّن في آخر السّورة أنّ الّذين مدحهم في أوّل السّورة هم أمّة محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : « والمؤمنون كلّ آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله » وهذا هو المراد بقوله في أوّل السّورة : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] ثم قال ههنا : وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ البقرة : 285 ] . وهو المراد بقوله في أوّل السّورة : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] ، ثم قال ههنا « غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » وهو المراد بقوله أوّل السّورة : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] ثم
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 114 ) عن ابن عباس .